الفيض الكاشاني
157
أنوار الحكمة
لم تنقطع أسباب الشفقة منهم ، فينوا في جدّهم « 1 » ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم « 2 » ، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ؛ ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم « 3 » ، ولم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشيطان عليهم ، ولم يفرّقهم سوء التقاطع ، ولا تولّاهم غلّ التحاسد ، ولا أشعبتهم « 4 » مصارف الريب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم « 5 » ، فهم اسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ ، ولا عدول ولا ونى ولا فتور ، وليس في أطباق السماء موضع إهاب « 6 » إلّا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ؛ يزدادون على طول الطاعة بربّهم علما ، وتزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما . أنوار علويّة [ خطبة أخرى منه عليه السلام في وصف الملائكة ] وروي في الكتاب المذكور « 7 » عنه عليه السلام أيضا أنّه قال في خطبة أخرى في صفاتهم : « ثمّ فتق ما بين السماوات العلى ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون ، ومنهم ركوع لا ينتصبون ، وصافّون لا يتزايلون ، ومسبّحون لا يسأمون ، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان . ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده ، والسدنة لأبواب جنانه .
--> ( 1 ) ونى ، يني : تأنى . فينوا : فيضعفوا . ( 2 ) وشيك السعي : مقاربه وهينه . وكتب في هامش ر : « أي يؤثروا ما قرب السعي في تحصيله على ما يستعدونه من تحصيل السعادة الاخرويّة » . ( 3 ) أي ولو استعظموا أعمالهم لأذهب خوفهم رجاءهم بها . ( 4 ) مل : تشعبتهم . ( 5 ) الأخياف : جمع خيف ؛ وهو ما انحدر من سفح الجبل . والمراد هنا سواقط الهمم . وفي هامش ر : « أخياف الهمم مختلفاتها . واحده : أخيف - بخطه » . ( 6 ) الإهاب : جلد الحيوان . ( 7 ) نهج البلاغة : الخطبة الأولى .